محمد بيومي مهران

130

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ، وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا « 1 » . وهكذا تشير هذه الآيات الكريمة إلى شخصية إبراهيم الرضي الحليم ، تبدو وداعته وحلمه في ألفاظه وتعبيراته التي يحكي القرآن الكريم ترجمتها بالعربية ، وفي تصرفاته ومواجهته للجهالة من أبيه « 2 » ، ويصف اللّه تعالى خليله إبراهيم بأنه كان صديقا نبيّا ، فجمع اللّه له بين الصديقية والنبوة ، فالصديق كثير الصدق ، فهو الصادق في أقواله وأفعاله وأحواله ، المصدق بكل ما أمر بالتصديق به ، وذلك يستلزم العمل العظيم الواصل إلى القلب ، المؤثر فيه الموجب لليقين ، والعمل الصالح الكامل ، ولا غرو فإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ، أفضل الأنبياء والمرسلين قاطبة بعد سيدنا ومولانا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهو الذي جعل اللّه في ذريته النبوة والكتاب « 3 » . وقال الإمام الرازي في التفسير الكبير : وإيراد الكلام يلفظ « يا أبت » في كل خطاب ، دليل على شدة الحب والرغبة في صونه عن العقاب ، وإرشاده إلى الصواب ، وقد رتب إبراهيم الكلام في غاية الحسن ، لأنه نبهه أولا إلى بطلان عبادة الأوثان ، ثم أمره باتباعه في الاستدلال وترك التقليد الأعمى ، ثم ذكره بأن طاعة الشيطان غير جائزة في العقول ، ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر عن الإقدام ، مع رعاية الأدب والرفق ، وقوله « إني أخاف » دليل على

--> ( 1 ) سورة مريم : آية 41 - 48 ، وانظر : تفسير ابن كثير 3 / 198 - 200 ، تفسير القرطبي ص 4149 - 4153 ، تفسير النسفي 3 / 36 - 38 ، تفسير ابن ناصر السعدي 5 / 53 - 56 ، في ظلال القرآن 4 / 2310 - 2313 ، صفوة التفاسير 2 / 218 - 219 ، تفسير الفخر الرازي 21 / 225 - 227 ، تفسير البيضاوي 2 / 16 - 18 . ( 2 ) في ظلال القرآن 4 / 2311 . ( 3 ) عبد الرحمن بن ناصر السعدي : تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 5 / 54 ( مكة المكرمة 1398 ه ) .